|
كزار حنتوش : شاعر مغرق بالإيحاءات
كزار حنتوش : شاعر مغرق بالإيحاءات كتابات - عبد الكريم كاظم تحت طائلة الحروف والمعاني والتأويلات العابرة للآلام .. اللغة الشعرية ليست عامل توصيل فقط فمن الممكن الإيصال بالحرف وبالإيحاء أيضاً واللغة بتفاصيلها وتراكيبها ومدلولاتها المختلفة هنا تلعب دور الإيصال في الكتابة الشعرية بكثير من الحدس الذي لا يغفل المعنى ولا الاكتشافات الجديدة للنص التي تعطي للمعنى أبعاداً أخرى وتأويلات متعددة لعملية القراءة ومساراتها اللانهائية، من خلال هذا النص الذي كتبه الشاعر كزار حنتوش نتساءل: كيف تتشكل القصيدة لحظة الكتابة؟ يمكن لقراءتنا لهذه القصيدة الوصول إلى إجابة ما تختصر رؤيا الشاعر أن جاز الاختصار . (عراق أقلب قارع أحذف العين راق أحذف الراء هنا مربط الديناصور الراء سيف علي لماذا تريد انتزاعه من العراق أيها العاق؟) تشكل هذه القراءة أو الأسطر صورة جزئية تتكامل مع النص لتمنحه بنيته الأساسية ومكوناته الرمزية التي تلتقط تفاصيل الاسم ولما يعجز البناء عن تفجير الدلالة الكلية أو الجوهرية في كلمة العراق فإن الشاعر يكمل هذه الصور برموز تعيد استلهام الاسم العام وتقرب المستويات التجريدية والدلالية مما يمنح النص قدرة على توليد أنساق دلالية جديدة تستعيد جدلية الخطاب الشعري وحركة عناصره في مقاربات لفظية ورمزية تشكل معاً حقولاً متداخلة للمعنى . هذه القصيدة من القصائد القائمة على النمط التعبيري الذي ينسحب على غالبية نصوص الشاعر التي يتخللها الرمز القائم على التراكمات بين المواقف والأحداث الرمزية في محاولة تجريبية تتجاوز الفعل التاريخي أو الاسم الدال والمجرد إلى إبراز الصراع والجدل أو رؤية الشاعر وذلك بالتركيز على رمزية الاسم وتحويله إلى اسم يتغير عند منتصف الكتابة الشعرية التي تخلص بدورها إلى دلالته الجوهرية ليبعث من جديد إلى داخل الرموز التاريخية الراصدة لحركية الأشياء في سياقاتها المختلفة مما يستدعي الوقوف عند هذا الأسلوب الذي أنتجه الشاعر والمتميز بالتنويع التعبيري والبعد المأساوي إذ أن الكتابة الشعرية في هذا النموذج أصبحت تتشابه مع صناعة المأساة بأحداثها وعناصرها الرمزية أو الواقعية، لنقرأ هذا المقطع الذي يشكل نموذجاً متراكماً يرتكز على تلك المعاناة كباعث رمزي لكل الدلالات اللغوية الموجودة في الاسم: عراق أقلب قارع أحذف العين راق في هذا المقطع أيضاً ثمة ترسبات تاريخية تجسد حيزاً معرفياً في دلالة الاسم الذي ينتج بدوره هذه المتناقضات على المستويين اللفظي والمعنوي، وهو ما يستنتج منا الدخول إلى المعنى الآخر/الضد الذي يمتاز بالنفس العدائي ـ المتمثل بكلمة قارع ـ والبعد الجمالي النقيض ـ المتمثل بكلمة راق ـ مع المحافظة على دلالة الاسم الأصلي الذي لا يخرج في الغالب عن مضمون النص وهذا ما أراده الشاعر أيضاً لواقع الاسم المجرد من منظور الانبعاث الشعري الذي يستعين به الشاعر أو يستعيره بوصفه عنصر متغير يصبح هنا رمزاً تاريخياً يمتد من الواقع إلى حدود رؤية الشاعر بحيث يصبح للاسم معان كثيفة لا تختزله، من هنا مربط الغرض لدى كزار وعليه نقرأ هذا المقطع الذي نستدل خلاله على المسافة بين المعنى الظاهر في النص من جهة والمعنى المراد إيصاله، للمتلقي، من قبل الشاعر: أحذف الراء هنا مربط الديناصور وكلمة الديناصور تدل على موضوع الانقراض بمعنى إن كل من يحاول أن يمحو كلمة (العراق) سيكون على مرمى حجر منه وهنا يستجمع الشاعر كل المعاني المستقطبة للحظة الانقراض وهذا ما جعل كلمة الديناصور متداخلة في النص ولا تتحدد ملامحها إلا من خلال حركتها الدلالية التي تشكل حركة عامة جامعة ومعتمدة على التكثيف الذي يحيلنا إلى المعنى المطلوب الذي يمنح النص هذا الوضوح المغرق بالإيحاءات بحيث يستلزم تداعي باقي الحروف ضمن سلسلة متناسقة تبدأ بكلمة (قارع ثم راق وتنتهي بـكلمة عاق) . يستعير الشاعر سيف الإمام "علي" ويقحمه على حرف الراء لأن الواقع المعاصر قد شكل في حركة النص الداخلية تواصلاً مع الماضي والحاضر في حوار شعري صارخ يستفز اللحظة الشعرية بوعي اللحظة التاريخية لكونها عنصر جديد/قديم يرسم الرؤيا ويحدد ملامح الانتماء للماضي والحاضر في ذات الوقت فجاء حرف الراء هنا محملاً برمزية تتفق مع الصورة الشعرية لتعيد اكتشاف الحاضر المرتبط بمأزق الماضي عن طريق تنظيم الدلالة التي أسقطها كزار على مأساوية الحدث لتتكدس لديه معالم الألم والتيه وضياع العراق مثلما ضاعت الأندلس وهذه الحقيقة تتفاعل مع الحاضر كمأساة متجددة من أجل البحث بين الحروف، باعتبارها الدلالة الثابتة، عن الهوية ففي هذا المقطع استخدم الشاعر أسلوباً أكثر تكاملاً في نموه وأبعاده بحيث جمع بين التأمل الفني/الجمالي والتأمل الفكري عندما استند إلى أهمية حرف الراء في القصيدة الذي فجر الإحساس بالفجيعة حد الصراخ، لنقرأ: الراء سيف "علي" لماذا تريد انتزاعه من العراق أيها العاق؟ ثمة سؤال أخير صار بوسعنا أن نطرحه على أنفسنا بعد الانتهاء من القراءة: من هو العاق في هذه القصيدة؟ أهو المحتل، (الحليف) أم الغريب، الحاكم المستبد، (الجار الشقيق) أو الدليل أم المعمم الذي لا يشغل باله ما يعانيه العراق يومياً بل بما يتعين عليه معرفته حباّ في ذات المعرفة، لهذا السبب أو ذاك لم يكن بوسع القصيدة أن تكشف الفرق بين الجميع، إنها تخاطب الضمير وهذه حقيقة قاسية جداً أشار إليها الشاعر فمادام النص مفتوحاً على هاوية عميقة سوف لا نرى فيها، في نهاية المطاف، إلا الفضاء المفتوح على أفق لا نجد فيه ثقب إبرة لنعبر أو بصيص ضوء لنأمل ولذلك استدعى حضور أداة النداء، في نهاية النص، ليحملها معاناته الكبيرة في بعديها الذاتي والجماعي . القيمة الكونية للشاعر .. يضعنا العراق اليوم أمام درس مهم، لقد قدر لنا أن نعيش عصراً عصياً على التفسير فعصرنا هذا لا يصنع أمواته وحسب بل الأموات هي التي تصنعه أيضاً، ولأن العراق صار يسلك سلوك العصر فإنه هو الآخر يساهم في صناعة موتنا، ففي ظل المذابح المتكررة يظهر جلياً المعنى العميق للكتابة الحقيقية، أو المعنى العميق لفعل القصيدة في بلد ما زال يرزح بين أخبار الموت والحرب، في بلد يفتقد فيه المواطن حزام الأمان مثلما يفتقد لجغرافيا الوجدان . في البداية دعنا أيها الشاعر نكتب مقالاً واحداً من صفحتين لا غير سيتكفل نصيف الناصري بشتم الموت في وجهه وسوف أشتمه أنا من الخلف ثم نكتب نصاً آخر في هجاء عزرائيل وآخر لأحد حراس الجنة لكي نثبت للملائكة وللعالم يا "أسعد رجل في العالم" أننا شعراء عراقيون يمارسون حق الحياة والكتابة والحلم وحتى الموت ففي الأزمنة العصية هناك ما يكفي من الميتات وربما سيكون نصيبنا من إمكانية تفادي ارتكاب الموت في أدنى مستوياته إذا ما احتكمنا إلى التوقع والواقع مقياساً آخذين بنظر الاعتبار حالات الموت في أماكن أخرى وفي ظل ظروف غير طبيعة فالموت هنا أو هناك لا يحدث آلياً، فهل يمكن اعتباره شرطاً جزائياً من شروط الحياة؟ ما ينبغي التأكيد هنا أن الحاجة إلى الموت ترتبط بجوهر القيمة الكونية للشاعر هذا ما يجب أن نعترف به ونقّر، إن موت الشاعر حقيقة لا بد منها كي تبدأ أعماله الشعرية دورة حياتها الفنية والجمالية غير أن هذه الدورة الحياتية المضطربة لا يمكن أن تجري إلا بحضور الشاعر وموته، في آن، لأنه المسؤول الأول والأخير عن إتمام القصيدة بمعنى أنه أستطاع أن يصل بالفعل الشعري والحياتي والجمالي إلى مستقره . طائرة الشاعر الورقية .. في المدن الفقيرة والقرى النائية والشوارع والمطر يمتلئ قلبك شعراً يقفز مثل نورس نزق ويمتلئ شعراً وتظل القصيدة تؤلمك طوال البعد حتى تتمنى لو كان بوسعك أن تجعلها تكف عن الدوران، تحرق مزيداً من التبغ وتجادل صاحبة الحانة لكي تفوز بكأس إضافية، تشتم الحرب والطغاة وتبصق على الفقر والجوع ولكن، كل ذلك لا ينقذك من قلبك، أعني من كيس الكلمات الشعرية . ورد .. ورد كل الطرق مغطاة بالورد الأحمر، والعصافير وصلت لتوها من أقصى الجنوب وطفقت تذرع سماء مدينة الديوانية بحثاً عن طائرة ورقية ذاهبة إلى الله . كزار هل كنت تعرف أن الشمس حين تبزغ في مدينة الديوانية ستكون في لجة الوجدان ومثقلة بالمحبة؟ هل يستطيع الشاعر أن يكون ما يشاء؟ وماذا يصنع الموت بالشاعر؟ حاول أيها الديواني النبيل والمسالم أن تكتب إذا شئت عن المطر أو الغيم ولكني سأقول لك: إن الناس هناك لا يعرفون القراءة ولا يهتمون بها، فالشوارع متشققة والصراع المفجع ينمو في كل ركن وقطعان الكلمات الكريهة تمزق عذرية القصيدة وإذا كنت لا تصدقني فدعنا نتحدث عن الغموض وعن الوجه الآخر للكتابة وهذا الركام القبيح الذي أحدثه فقهاء الظلام الذين جعلوا الناس يخافون لذة اكتشاف الدلائل والنصوص والذكريات المتناثرة وأغاني الصباح . ماذا تصنع فيروز بالشاعر؟ فيروز والصباح صنوان ما الذي صنعته بغداد بنا؟ بغداد والقصيدة صنوان أيضاً هل كنت أكثر ثباتاً من لحظات الشعر المجنونة؟ إننا جميعاً غرباء جداً رغم كل الروابط، والحبال وكلمات الحب المطفأة، كنت تقول: (لولا بغداد وفيروز ورسمية ما اقترنت ضفدعة بي وألقى العنز عليّ الفضلات) هي حيلة موفقة من جانب الشاعر الغريب ولكنها مليئة بالألم والصراخ، هل نسيت ما قاله ت.س.اليوت ذات قصيدة: (إذا كان ثمة امرأة فهناك وردة في السماء) إن ذلك يحتاج إلى حفنة من الميتات والشحنات الشعرية المفترسة والانقلابات الروحية المتمردة، ما الذي يمكن لتلك الكلمات البيضاء أن تفعله حيال تداخل ملايين مروعة من لفائف الموت والأماكن الضيقة والمفاضلات العقيمة، الحقيقة لا شيء فالكلمات غير قادرة على نقل الإحساس أو ما نسميه في الشعر الانقلابات الشعورية الداخلية . كزار حنتوش والقصيدة الملونة .. كثيراً ما تبدو الكتابة الشعرية للشاعر العراقي كزار حنتوش قريبة من الكلام الشفهي ، أعني من حديث الناس، كأن القصيدة لديه في مثل هذه الحال ضد اللغة أو البلاغة ولكنها في ذات الوقت قريبة جداً من حرارة التخاطب الوجداني والمناطق الملونة المفعمة بالحياة ويمكن القول إن لغته الشعرية هي بشكل عام لغة بلا كلفة تميل أحياناً إلى المباشرة المحتفية بالأشياء الأليفة إذ أن قصيدته تتلون وتتعدد وتعيد إلينا في ذات الوقت أصداء الأغنية الشعبية وهي تروي على مسامعنا حديثاً دافئاً يغمره الشجن والحنين والتذكر، لنقرأ هذه المقاطع من قصيدته المسماة" الجذور": في الليل يعود أبي مهموماً آثار الجص على دشداشته دوماً ويمسينا بالخير وهذا المقطع أيضاً من قصيدته المعنونة "أغنية إلى فؤاد سالم" يقول فيها: أهلاً بكناري البصرة وحبيب عصافير الشطرة وربيب حمام الموصل أهلاً .. فالعشب مناديل والريح مواويل وفي مقطع آخر من قصيدة "قصائد رسمية" يقول: قوديني كخروف ضال نحو ربيعك خليني أرعى بين بساتينك أنت الطين الحري وأنا الماء فلنمتزج الآن قيمر معدان لم يكتب شاعرنا الراحل الشعر بطريقة الفذلكة أو التفخيم اللغوي الفارغ لكن القارئ المتعاقد معه بميثاق النص الذي يكتبه يجتاحه نفس الخوف الذي ضيَّق عليه مساحة الكلمات ولتكملة تلك المسافة من رحلته الغامضة بخرائطها اللامرئية يحرص دائماً على تلك الخاتمة لأن الخاتمة هنا هي أشبه بالتعويذة ونحن هنا لا نشير إلى التعويذة السحرية بل إلى التعويذة الشعرية الجمالية بوصفها سمة شعرية مميزة لديه وعليه نتساءل: أعطانا كزار كل ما عنده من أزهار وقصائد ومحبة وتسامح فماذا سنعطيه في نهاية القصيدة؟ لقد سجل تجربة عذابه وقسوتها على نفسه فرسم لنا هذه الصور الصادقة المعبرة عبر هذا المقطع فبالرغم من ركام القهر والندم والحيرة تفيض هذه المقاطع جمالاً ولوعة، لنقرأ بمنتهى الصرامة: الدمع نشف والنسيان قتاد لا كأس التيزاب نفع لا عض الشفتين أفاد بهذه اللوعة يبدو النص الشعري وكأنه بساط عراقي تعاونت أصابع الشاعر على غزل خيوطه، فلغته الشعرية تتمثل في أن كل شيء فيها يبدو متاحاً الحياة، الخمر، الحبيبة، المدينة والأصدقاء إنها عوالم الشاعر وتجلياته ومن حيث أن هذه تقول الأشياء كما هي وبشكل جمالي متكامل بحيث يعيد الفضاء الخاص بكلماته ولكي لا تبدو صياغاته الشعرية بلا رنين وكأن الكلمة، لديه، روح متحركة لا يبتدعها غير العاشق أو الزاهد ذلك هو كزار وتلك هي قصيدته . القصيدة التي أطاحت برأس أسعد شاعر في العالم .. كل مدادي دمعة أم ويراعي إبرة سم كيف أعيد بناء العالم بثلاثة أسطر من دم يتراءى لي أحياناً أن شكل الكرة الأرضية تشبه رأس شاعر متعدد الميتات وتأكد لي ذلك عندما رحل عنا إلى الفضاء الفسيح الكثير من الشعراء . كان وجه الشبه واضحاً بين شكل قصائدهم وشكل الحياة، هل تبدو هذه الحقيقة خارج الواقع؟ ألا تبدو أنها الرمق الأخير الذي يفجر الكلمات ويجعل الشاعر يصعد إلى السماء، إن غاية الموت هو قتل القصيدة، ترى ماذا تفعل القصائد بعد موت شعرائها؟ ماذا تفعل القصيدة برأس الشاعر؟ في هذه الحالة يغدو الشعر مستلاً من نظام التطهير المجدلي ولعله أيضاً سيكشف البعد التراجيدي الذي يعاني منه الإنسان الذي اعتاد غسل الإثم بالقصيدة أو بالخسارة والخيبة، حينها تتوزع الآلام بطريقة غير عادلة بين الشاعر والعالم المحيط به على أساس حضور أدوات تفوق الآلهة، فكأن سنابك خيول الآلهة تهاجم الشاعر وتثير الغبار في كل الكلمات والمعاني والقصائد ومع هذا يبقى الشاعر في وسط كثافة الغبار الخانق يكتب قصيدته الأثيرة على الرغم من إنها هي التي أطاحت برأسه .
| اصدر: 31/12/2007 |
|
|
|
 |
|